القرطبي
54
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قبل اللّه تعالى : يا نار خذيهم ، يا مالك أدخلهم الباب الأول من النار ، فعند ذلك يسمع صلصلة كالرعد القاصف ، فإذا همت النار أن تحرق القلوب زجرها مالك وجعل يقول : لا تحرق قلبا فيه القرآن ، وكان وعاء الإيمان ، فإذا الزبانية قد جاءوا بالحميم ليصبوه في بطونهم فيزجرهم مالك ، فيقول : لا تدخلوا الحميم بطونا أخمصها رمضان ، ولا تحرق النار جباها سجدت للّه تعالى ، فيعودون فيها حمما كالغاسق المحلولك والإيمان يتلألأ في القلوب . وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر أبواب النار ، نجانا اللّه منها ولا يجعلنا ممن يدخلها فيحترق فيها ، وأعاذنا من عذابها بمنّه وكرمه . فصل قوله : « إذا فرغ اللّه » مشكل ، وفي التنزيل : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [ الرحمن : 31 ] ومعناه : المبالغة في التهديد والوعيد من عند اللّه تعالى لعباده ، كقول القائل : سأفرغ لك ، وإن لم يكن مشغولا عنه بشغل ، وليس باللّه تعالى شغل ، تعالى عن ذلك . وقيل : المعنى : سنقصد لمجازاتكم وعقوبتكم ، كما يقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرغ لك ، أي : أقصد قصدك . وفرغ بمعنى قصد وأحكم . قال جرير بن نمير الجعفي : الآن وقد فرغت إلى نمير * فهذا حين كنت لها عذابا يريد : وقد قصدت نحوه . فمعنى فرغ اللّه من القضاء بين العباد أي : تمم عليهم حسابهم وفصل بينهم ، لأنه لا يشغله شأن عن شأن ، سبحانه وتعالى . * * * 127 باب ما يرجى من رحمة اللّه تعالى ومغفرته وعفوه ورضوانه يوم القيامة قال الحسن : يقول اللّه تعالى يوم القيامة : « جوزوا الصراط بعفوي ، وادخلوا الجنة برحمتي ، واقتسموها بأعمالكم » . وقال عليه السلام : « ينادي مناد من تحت العرش : يا أمة محمد أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ، وبقيت التبعات فتواهبوها فيما بينكم ، وادخلوا الجنة برحمتي » « 1 » .
--> ( 1 ) حديث ضعيف ؛ انظر تخريج « الإحياء » للحافظ العراقي ( 4 / 545 ) .